تتواصل فصول المخطط الإسرائيلي المدعوم أميركياً لإنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، عبر مسارين متوازيين يقومان على تقويض مكانتها السياسية وتجفيف مصادر تمويلها، في محاولة لا تستهدف الوكالة بوصفها مؤسسة إغاثية فحسب، بل باعتبارها الشاهد الأممي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
وقد برز تطوران متزامنان في هذا الإطار؛ الأول تمثّل في إعلان "مجلس السلام" المُشكَّل أممياً لإدارة قطاع غزة أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، فيما جاء الثاني من نيويورك، حيث انتهى مؤتمر إعلان التبرعات للوكالة بنتائج مالية مُخيِّبة للآمال، مما أعاد إلى الواجهة المخاوف الفلسطينية من تصاعد الضغوط السياسية والمالية الرامية إلى تقويض دور الوكالة ومستقبل ولايتها الأممية.
مجلس السلام
في التطور الأول، أثار إعلان "مجلس السلام"، الذي عقد اجتماعاته في مدينة لارنكا القبرصية لمناقشة خطط الإغاثة والتعافي في قطاع غزة، بأن "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، موجة غضب فلسطينية وعربية واسعة، وسط تحذيرات من أن هذه المواقف لا تستهدف الوكالة بوصفها مؤسسة إغاثية فحسب، وإنما تسعى إلى تصفية قضية اللاجئين وإنهاء الشاهد الدولي على حق العودة.
وتؤكد مصادر فلسطينية لـ"النشرة" أن تصريحات "مجلس السلام" تنسجم مع المخطط الإسرائيلي-الأميركي الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء عمل الأونروا، ليس في غزة وحدها بل في جميع مناطق عملياتها. وتُشير إلى أن خطورة هذه التصريحات تكمن في استهدافها المكانةَ القانونية والسياسية للوكالة، باعتبارها تجسيداً للالتزام الدولي تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقد أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي، أنه ليس من صلاحية "مجلس السلام"، الذي شُكّل بموجب قرار أممي، إنهاء أو إلغاء وجود وكالة أممية أُنشئت بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، متسائلًا: من الذي منح المجلس هذا الحق؟ وشدد على أن "الأونروا" ستواصل أداء مهامها وفق التفويض الممنوح لها بموجب القرار 302، طالما لم يتم التوصل إلى حل سياسي عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
بدوره، شدّد مدير الهيئة 302 للدفاع عن حق العودة علي هويدي على أن وجود "الأونروا" يمثّل ركيزة أساسية في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، مؤكداً أن الدعوات إلى إقصائها تشكّل تهديداً وجودياً، وتستهدف تقويض الحقوق التاريخية للاجئين وفي مقدمتها حق العودة. وأضاف أن إسرائيل عملت على مدى سنوات على تشويه صورة الوكالة وتقليص دورها، فيما اتخذت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب خطوات عملية ضدها، كان أبرزها وقف التمويل.
وفي التطور الثاني، فقد حظيت "الأونروا" خلال مؤتمر إعلان التبرعات، الذي عقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بدعم سياسي ومعنوي واضح، إذ وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها "قوة لتحقيق الاستقرار في عصر عدم الاستقرار"، محذرًا من الحملات المتواصلة التي تستهدف تشويه الوكالة وتقويض عملها، ومؤكدًا أنه لا توجد أي منظمة أخرى قادرة على الحلول محلها في تقديم الخدمات لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
إلا أن هذا الدعم السياسي لم يتحول إلى التزامات مالية كافية، إذ جاءت نتائج مؤتمر المانحين مُخيِّبة للآمال، في ظل اعتقاد فلسطيني بأن الضغوط الإسرائيلية والأميركية على الدول المانحة، إلى جانب حملات التشويه التي استهدفت الوكالة في المرحلة الماضية، نجحت في تقليص حجم المساهمات المالية.
وخلال المؤتمر، أُعلن عن تعهدات تمويل جديدة بقيمة أربعة ملايين دولار فقط، خُصص معظمها لنداءات الطوارئ، وهو مبلغ لا يشكل سوى جزء ضئيل من العجز المالي الذي تعانيه الوكالة، والبالغ نحو مئة مليون دولار.
وأكد المفوض العام للأونروا بالإنابة، كريس ساوندرز، أن التعهدات المعلنة، إضافة إلى المبالغ التي لم يُكشف عن قيمتها، "لا تكفي لتقليص العجز في التدفقات النقدية لعام 2026 بشكل ملموس"، مشيرًا إلى أن "الأونروا تواجه اليوم رياح التغيير، وعليها التعامل مع واقع سياسي وتشغيلي ومالي جديد".
وتتوقع المصادر الفلسطينية أن تضطر الوكالة، في ضوء الأزمة المالية المتفاقمة، إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات التقشفية تطال قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة وموظفيها في لبنان وسواه، مما يُضاعف التحديات والمخاطر المحدقة باستمرارية عملها وفق القرار 302، في وقت تتواصل فيه المحاولات الإسرائيلية المدعومة أميركياً لإنهاء دورها السياسي والإنساني في قضية اللاجئين الفلسطينيين.




















































